ابن أبي شريف المقدسي
193
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
أشرف مناصب الخلق مقتضية لغاية الإجلال اللائق بالمخلوق ، فيعتبر لها انتفاء ما ينافي ذلك . ( و ) شرطها أيضا ( العصمة من الكفر ) قبل النبوة وبعدها بالإجماع ، ( وأما ) العصمة ( من غيره مما سنذكره ) من المعاصي : ( فمن ) أي : فهو من ( موجبات النبوة ) بفتح الجيم ، أي : الأمور التي يقتضيها منصب النبوة ( متأخر عنها ) كما هو شأن الموجب ، فلا يتأتى اشتراطه فيها ، وهذا ما عليه الجمهور ، أما على القول بعصمتهم من الصغائر والكبائر قبل النبوة وبعدها فلا يمتنع الاشتراط « 1 » . ( وقولهم ) في الشروط : ( أكمل أهل زمانه ، إن حمل على ظاهره ) من العموم لجميع أهل الزمان ( استلزم ) لذلك ( عدم جواز ) إرسال ( نبيّين في عصر واحد ، وهو منتف بنحو يوشع وموسى وهارون ) والتمثيل بموسى وهارون أظهر لثبوت إرسالهما معا بنص الكتاب في آيات متعددة ، كقوله : اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 43 ) ( سورة طه : 43 ) فَاذْهَبا بِآياتِنا ( سورة الشعراء : 15 ) فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ ( سورة طه : 47 ) ونحوها ( فيجب ) في تأويل اشتراطه ( أن المراد ) كونه أكمل أهل زمانه ( ممن ليس نبيا ) وحاصله تخصيص العموم . ( والعصمة ) المشترطة معناها : ( تخصيص القدرة بالطاعة ، فلا يخلق له ) أي : لمن وصف بها ( قدرة المعصية ، ) وقد لخص المصنف في « التحرير » « 2 » هذا التعريف ، وذكر معه تعريفا آخر فقال : وهي - أي العصمة - عدم قدرة المعصية ، أو خلق مانع منها غير ملجئ ، أي : بل يبقى معه الاختيار ، والتعريف الثاني يلائم قول الإمام أبي منصور الماتريدي : العصمة لا تزيل المحنة ، أي : الابتلاء المقتضي لبقاء الاختيار . قال « صاحب البداية » : ومعناه - يعني قول أبي منصور - أنها لا تجبره على الطاعة ولا تعجزه عن المعصية ، بل هي لطف من اللّه تعالى يحمله على فعل الخير ويزجره عن فعل الشر ، مع
--> ( 1 ) العصمة من الصغائر والكبائر قبل النبوة وبعدها رأي جمهور المسلمين ، فيما قال الحشوية بجواز الإقدام على الكبائر ، وقال المعتزلة : لا يجوز منهم تعمد الكبيرة البتة وأما تعمد الصغيرة فهو جائز بشرط ألا تكون منفرة ، وقال الشيعة : لا يجوز منهم الكبيرة ولا الصغيرة لا بالعمد ولا بالتأويل ، ولا بالسهو والنسيان . وقال الرازي : إن الأنبياء معصومون في زمن النبوة عن الصغائر والكبائر بالعمد ، أما على سبيل السهو فجائز . انظر : عصمة الأنبياء للرازي ، ص 5 . ( 2 ) انظر : التحرير في أصول الفقه ، ص 303 .